20 - 10 - 2019

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتبه، فنظرية الفن للفن لم تستطع أن تحيا كثيراً بين آلاف الرسائل الأيديولوجية التي يقدمها الفن بنعومته، حتى أفلام الكارتون التي تنتجها ديزني تحمل مضاميناً ورسائل خفية لتربية عقول أطفال العالم والتأثير عليها بهدوء شديد وعلى زمن طويل جداً حتى رأينا أطفالاً يشبون عن الطوق وهم لا ينتمون بأي حال من الأحوال إلى ثقافة وطنهم أو قضاياه وعيونهم مصوبة نحو الولايات المتحدة الأمريكية وثقافتها! 

هذا ما لم نكن مدركين له بأي حال من الأحوال، فنحن الآن نعاني من أقوال تتردد بين الأجيال الشابة ببساطة وكأن الأمر مسلم به مثل:"لقد باع الفلسيطنيون أرضهم للصهاينة"، "على الفلسطينيين أن يحرروا هم أرضهم" وقليل من الشجب والاستنكار هنا وهناك ونحن نرى واشنطون تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل! .. كل هذا لم يأت من فراغ، بل أتى من عقود طويلة حفرت في قلب الشخصية المصرية حفرة عميقة فرغتها من مسلماتها الوطنية، ومن قضاياها الأولية وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي هي بالأساس قضية هوية وطنية ودينية. 

كان لابد من هذه المقدمة الطويلة قبل الدخول في معترك نقاش العرض المسرحي الجامعي "سوبيبور" والذي أنتجته جامعة عين شمس بسخاء واضح، ليفوز بالجائزة الأولى في سباقها الجامعي ويمثل كلية التجارة في المسابقة الثانية من المهرجان القومي للمسرح الذي تجري وقائعه الآن، ليطرح السؤال نفسه: لماذا اختار المؤلف والمخرج الشاب محمد زكي هذا الموضوع بالتحديد؟ لماذا يكتب مصري عربي عن عذابات اليهود في محارق الهولوكوست؟ حتى وإن حشر حرفياً بعض الجمل الإسقاطية على قضية فلسطين، فلماذا اختيار قصة التمرد الذي وقع في معسكر سوبيبور الذي شيده النازيون شرق بولندا على حدود روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا عام 1942؟ هذا المعسكر الوحيد وسط معسكرات النازيين الذي استطاع أن يهرب منه 200 يهودي بقيادة الضابط الروسي الأسير بيتشريسكي والذين كانوا شهوداً في المحاكمات الدولية التي حاسبت المسئولين عن الهولوكوست بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؟ 

لماذا الذهاب بعيداً لإثارة التعاطف مع اليهود عام 2019 بسرد وقائع إبادتهم أثناء الحرب العالمية الثانية على يد النازي ونحن اليوم ومنذ عقود طويلة نعاني من مجازر اليهود الصهاينة في المنطقة العربية بما فيها مصر وليس فلسطين وحدها؟ 

ما هي الرسالة؟ هل يرغب عقل العمل المدبر أن يقول أن من تعرض للتعذيب والإبادة يُعذب ويبيد غيره اليوم؟ دعونا نسلم بأن هذه هي رسالته ونرى:

مبدئياً لا يمكن التسليم بأن كل يهود المحرقة أو كل من نجا منهم هاجروا إلى فلسطين واستوطنوها وشاركوا في سرقتها مع الصهاينة، فهناك الكثير منهم ارتحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ورفعوا قضاياهم الدولية ضد ألمانيا من هناك، ولقد شاهدنا العديد من الأفلام الأمريكية التي تسرد مثل هذه القصص، وبالتالي فمن الصعب أن نطبق عليهم نظرية "من تعرض للظلم والإبادة لا يمكن أن يفعل ذلك بغيره"، لأنه ببساطة في علم النفس يتحول الإنسان في كثير من الأوقات إلى وحش إذا ما تعرض إلى تعذيب جسدي وعصبي لفترات طويلة، هذا إذا لم ينتحر أو يفقد عقله ليعيش مريضاً نفسياً حتى يموت. 

الحقيقة الماثلة للعيان هي؛ أنه لطالما استخدمت الصهيونية العالمية والمجسدة في الكيان الإسرائيلي قصة محارق الهولوكوست للحصول على مكتسبات دولية ليست من حقهم، وإثارة تعاطف العالم معهم للتغطية على مجازرهم ضد الشعوب العربية بمن فيهم نحن المصريون أم نسينا أنهم دفنوا جنودنا أحياء في صحراء سيناء عام 1967؟ وإن كان قتل المصريين على أيديهم فعل ماض"ما تسيبو في حالة"، لماذا لا تتحول محارق النازي إلى فعل ماض أيضاً انتهى ولم يعد هناك سبب لذكره، حيث تجاوز اليهود في العالم بمن فيهم الصهاينة الأمر ويعيشون الآن منعمين على أرض فلسطين وفي كل مكان بالعالم! ... ولماذا مرة أخرى يأتي مصري عربي ليثير قضية الهولوكوست ويجسد عذابات اليهود على خشبة مسرح جامعي يخاطب عقول الشباب الآن وفي عام 2019؟ 

عندما تشاهدون المسرحية والتي تعاني من مشكلة في الصوت حيث شاهدتها ضمن عروض الجامعات على مسرح السلام، فكان من الصعب متابعة الكثير من الحوارات الدائرة على الخشبة، ستلاحظون أنه من وقت لآخر يدخل صوت خارجي فوق المشهد ويقول "اليوم هم يغتصبون أرضنا"، ويبدأ العد من تاريخ انتهاء الحرب العالمية الثانية "45، 46، 47، 48"، مسقطاً على تاريخ اغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية، ليحدث إظلام ويشعلون كشافي إضاءة معلقين على جانبي خشبة المسرح في وجوه المشاهدين وكأنهم يعذبوننا نحن، وفي الحقيقة تسبب هذا في ضياع التركيز مع هذه الجملة التي تشكل وحدها طوق نجاة للمسرحية، وإن كانت في رأيي لا تجسد سوى غطاء خائب لمضمون المسرحية الحقيقي والذي تدور وقائعه بمنتهى الوضوح طوال أحداث المسرحية، ألا وهو زرع الحب والتعاطف مع اليهود، والذين بالمناسبة لا يمكن فصلهم الآن عن صهاينة إسرائيل، فلقد تشوشت المعاني في العقول بشكل عام، فما بالكم بمشاهدين في عمر طلاب الجامعات؟! 

اقتراب أحداث المحرقة من وقائع أحداث اغتصاب أرض فلسطين والتي كانت دائرة في ثلاثينيات القرن العشرين وحتى إعلان دولة الكيان الإسرائيلي عام 1948، يدعو للتساؤل: إذا كان المؤلف والمخرج محمد زكي يهدف إلى خدمة قضيتنا نحن العرب، فلماذا كما قلت ذهب بعيداً إلى معسكر في شرق بولندا ليجسد عذابات اليهود وانتفاضتهم ضد النازي في معسكر سوبيبور، في حين كان من الممكن أن يخطو خطوات بسيطة نحو الشرق ليجسد عذابات الفلسطينيين ضد عصابات الصهيونية والجيش البريطاني وثورتهم وانتفاضتهم ضدهما عام 1936، هذه الثورة التي لم تتوقف إلا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها الكثير من الفلسطينيين الذي ظلوا يدافعون عن أرضهم حتى أصبح تكتل القوة العسكرية الصهيونية بدعم إنجلترا أقوى منهم ومن أي جيش عربي، على الأقل كان سيوضح لطلاب الجامعات أن الفلسطينيين لم يبيعوا أرضهم لليهود.

الإهانة للإسلام أيضاً 

في البداية أرغب أن أوضح نقطة هامة، ألا وهي أنني لا أدافع عن الإسلام من منطلق شيفونية دينية هنا، فأنا لا أقول بأن الإسلام هو وحده الدين الحق على حساب أي دين آخر، ولا أنا بصدد مقارنة أديان الآن، وأعلن بمنتهى الأريحية احترامي لكل دين سواء كان سماويا أم وثنيا، فحرية العقيدة حق أصيل للإنسان على كل أرض وفي كل زمان، ولكن! 

يتعرض الإسلام في العالم أجمع الآن لحملات تشويه خانقة تصيب جميع المسلمين المعتدلين من أمثالي في مقتل، فنحن على جانب نرى بشاعة وحقارة التنظيمات التي ترفع راية الدين مدعية أنها وحدها تمثله، وعلى جانب آخر نرى العالم أجمع يتعامل مع هذه التنظيمات وأفرادها على أنهم وحدهم الإسلام والمسلمين، مع اعترافات خافتة ومتناثرة هنا وهناك بأن الإسلام كدين لا علاقة له بهؤلاء، وبالتالي فالإسلام للأسف أصبح ديناً مداناً عالمياً، وبالتالي فهو لا ينقصه أن نضربه من داخلنا أيضاً، وهو ما حدث في رأيي داخل أحداث مسرحية "سوبيبور". 

لا تعرف الغالبية العظمى من الناس على مستوى العالم أن المسلمين كان لهم تواجد في أوروبا الشرقية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، أو أنهم تضامنوا مع هتلر والجيش النازي، فقام محمد زكي بإخراج هذه المعلومة بمنتهى السذاجة أو القصدية المتعمدة واستخدمها في مسرحيته! 

الحقيقة هي أنه أثناء الحرب العالمية الثانية خلال عامي  1941/1942  وهو الزمن الذي تدور فيه أحداث مسرحية "سوبيبور"، دخلت القوات الألمانية أراض يسكنها مسلمون في البلقان وشمال إفريقيا والقرم والقوقاز، وبدأ في برلين اعتبار الإسلام عاملا مهما من الناحية السياسية. فالنظام النازي شرع في كسب المسلمين كحلفاء وتجنيدهم في الحرب ضد أعداء، تم تصويرهم على أنهم مشتركين تمثلوا  في الإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفييتي وأمريكا واليهود.

وفي مناطق الجبهة المأهولة بالمسلمين قام الألمان بدعاية دينية واسعة لتقديم النظام النازي كقوة حماية للإسلام، في حين قمع ستالين بعنف الإسلام قبل الحرب، وعلى أمل القضاء على الهيمنة السوفييتية، عمل رجال الدعاية الألمان على تسييس النصوص الدينية أو مشروع الجهاد لتأليب المسلمين على الحلفاء، وتم تجنيد عشرات الآلاف من المتطوعين المسلمين ابتداء من 1941 من جانب الجيش الألماني. وكان أولئك بوسنيين وألباناً وتتار القرم ومسلمين من القوقاز وآسيا الوسطى، حيث يقول ديفيد مورتل في كتابه "الرسول والقائد" أن الهدف من هذه السياسة كان متنوعاً، فقد كانت القوات الألمانية في كثير من المناطق التي تقاتل فيها تجد سكانا من المسلمين، وقد جاء ذلك في وقت التدهور العسكري الألماني  في نهاية 1941، فكان الأمل يتمثل في تعويض خسارات الجنود الألمان في الجبهة الشرقية. فتم اعتماد جنود مسلمين على جميع الجبهات، وقاتلوا في ستالينغراد ووارسو وحتى في الدفاع عن برلين.

وعلى مستوى مصر مثلاً، سنجد أن المصريين كانوا يحبون هتلر ويهتفون له، لأنه ببساطة شكل لهم المخلص من الاحتلال البريطاني، لدرجة أن شارب هتلر أصبح موضة بين الشباب فكانوا يقصون شواربهم على طريقته.

بعد هذه النبذة التاريخية السريعة نعود لمسرحيتنا موضع الشك والتساؤل "سوبيبور" لنشاهد زرع شخصية رجل مسلم وزوجته تم القبض عليهم عن طريق الخطأ مع اليهود وإيداعهم بمعسكر التعذيب النازي، حيث يحمل المسلم أوراقاً تثبت أنه ليس يهودياً ويحاول طوال الوقت إثبات أنه مسلم حتى يطلقون سراحه وزوجته! 

لنقف عند المعالجة الدرامية لهذا الافتراض العجيب بأن الجيش الألماني قبض على مسلمين عن طريق الخطأ مع اليهود، وهو ما لم يكن ممكناً حدوثه بأي شكل من الأشكال، فالأماكن التي كان يقطنها المسلمون أبعد ما تكون عن تكتلات اليهود في ألمانيا وبولندا وكما وضحت في النبذة التاريخية السابقة، وإن سلمنا جدلاً بأنه تم القبض على مسلمين عن طريق الخطأ، فلن تكون بينهم امرأة لأن نساء المسلمين لم ينخرطن في الجيش الألماني مثلما انخرط آلاف الرجال من المسلمين وقد نسلم جدلاً بأن أحدهم ضل طريقاً ووصل إلى أحياء اليهود، رغم ان هذا التسليم يشوبه الكثير من العجز، لأنه سيضل طريقه وهو يرتدي ملابس الجيش الألماني، ما يجعل الأمر في منتهى الصعوبة أن يتم القبض عليه عن طريق الخطأ، وبالتالي فإن زرع شخصيتين مسلمتين "رجل وزوجته" داخل الأحداث خطأ درامي كبير لا يستند على أي منطق تاريخي واقعي، ولا يمكن التسليم به باعتباره فانتازيا خيالية. 

يجسد المؤلف المسلم وزوجته باعتبارهما شخصين جبانين لا يهمهما سوى أن ينقذا أنفسهما رغم ما يرونه من عذاب يقع في حق اليهود بالمعسكر، وهما طوال الوقت يعيشان بمعزل عن المجموع، وحتى عندما ينخرطا في التفاعل الاجتماعي مع اليهود، يظهران كشخصين ساذجين أشبه بالمجانين الجهلاء، فنظل نشاهد "الإيفيهات الحمقاء" على لسان المسلم وزوجته البلهاء في مقابل الشخصية اليهودية أياً كانت. 

على الجانب الآخر وفي خضم مشاهدتنا لهذه الشخصية المسلمة المائعة عديمة الشخصية يتم القبض على رجل ضرير "مسيحي" يلف على كفه مسبحة يتدلى منها الصليب وقد تعرض للتعذيب، ليتم تقديمه إلى قائد المعسكر النازي، على أنهم أخيرا قبضوا على الرجل المسيحي الذي يحمي اليهود ويخبئهم في منزله حتى لا يتم اصطيادهم، ويدور الحوار بين المسيحي والقائد الذي يسأله "لماذا يحمي اليهود وهو مسيحي؟" فيجيب كل الإجابات الإنسانية الممكنة بأنهم بشر مثلنا وأن انتمائهم لليهودية لا يدينهم ثم يتساءل "ماذا لو كنا مكانهم؟"، وهنا يأتي صوت خافت فوق الأحداث يقول أننا لو كنا مكانهم سيعذبوننا ويبيدوننا، ليعود المخرج محمد زكي مرة أخرى إلى لعبته بدس السم في العسل، فأنت طوال الأحداث تتعاطف مع اليهود وتسخر من المسلم الجبان وتحترم المسيحي الشجاع ثم يأتي صوت سريع لا يستغرق الثانية الواحدة ليسقط الأمر على القضية الفلسطينية وغالباً لن تلحظه! 

ورغم أن المسرحية تنتهي بأن يقدم المسلم وزوجته نفسيهما إلى المحرقة بدلاً من أسرة يهودية من أجل إنقاذ ابنتها الصغيرة التي تشبه ابنتهما المتوفية، إلا أن هذه النهاية ليست كافية لمعالجة الإهانة التي وجهت للشخصية المسلمة وذلك لأنه: 

- أولا: الحقيقة التاريخية تقول أن النازيين عزلوا الأطفال والمراهقين عن عائلاتهم لاستخدامهم في أعمال شاقة بالمعسكرات، فلم تجتمع أسرة بأطفالها أبداً في أي معسكر. 

- ثانياً: وكما ذكرت سابقاً من الصعب أن يدخل مسلم ومسلمة معسكر هولوكوست ووضحت أسبابي، بل من الصعب أيضاً أن يمثل المسلم والمسلمة أنهما يهوديان ليحلا محل الأسرة اليهودية لأن اللغة مختلفة من الأساس، فالمسلمون في البلقان والبوسنة وغيرها لا يتحدثون الألمانية. 

- ثالثاُ: وعلى عكس المسلمين، ساعدت الأسر الألمانية المسيحية اليهود على الهروب طوال الوقت بالفعل، وبالتالي فالشخصية المسيحية تجسد واقعاً تاريخياً حدث على عكس لوي عنق الحقيقة بالنسبة للمسلم. 

بعد ما سبق أعود وأؤكد، أنني لست بصدد مناقشة دينية هنا ولا أدعي بأي شكل من الأشكال أن الإسلام دين الحق وغيره باطل، وأقر بكل ما لدي من عقل وقلب بحق كل إنسان على الأرض أن يحيا حراً في اختيار هويته الدينية أو حتى أن يعيش بلا هوية دينية، لكن هذا لا يعني أنه ليس من حقي الدفاع عن هويتي الدينية التي تشكل جزءاً أصيلاً من ثقافتي الوطنية وأنا أراها تتعرض للتشويه، باستخدام حقيقة لها ملابساتها التاريخية الخاصة بالمنطقة التي وقعت فيها، فالمؤلف والمخرج محمد زكي لا يختلف هنا عن الإخوان المسلمين الذي استخدموا الصراع القومي بين الصرب والبوسنة والهرسك وحولوه لصراع إسلامي مسيحي وقاموا باستقطاب وتجييش المسلمين من كل مكان في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل بادعاء أنها حرب عرقية دينية، وهي في الأصل حرب قوميات بعيدة عن قوميتنا ولا ناقة لنا فيها ولا جمل. 

نص مهلهل 

على المستوى الفني المجرد تماماً من أي نقاش تاريخي سياسي، فنص "سوبيبور" لا يخرج عن كونه قصاً ولصقاً من نصوص درامية سينمائية سابقة، سواء كانت أوروبية أو مصرية، فنجده مثلاً يحشر مشهداً لا قيمة له في سياق الأحداث الدرامية بين قائد معسكر سوبيبور وزوجته وابنته، فترى القائد العنيف المتوحش يذوب عشقاً في زوجته ويرقص ويغني مع ابنته، فترتد ذاكرتك لهذا المشهد العبقري الذي لعبه الفنان الكبير الراحل محمود عبد العزيز في فيلم "البريء" للعبقري الراحل عاطف الطيب، حيث نرى الضابط المتوحش الذي يعذب السجناء السياسيين يقطر عذوبة ورقة مع زوجته وابنته، هذا غير العديد من المشاهد المنحوتة من أفلام غربية وأمريكية تناولت موضوع اليهود والهولوكوست. 

الأمر الآخر، أنك تسمع طوال الوقت غناء الشخصيات اليهودية في المعسكر باللغة العبرية وكذلك بعض الحوارات بينهم أيضاً، في حين أن اللغة العبرية كانت لغة ميتة حتى تم إحياؤها داخل الكيان الصهيوني بين المهاجرين اليهود بعد إقامة الدولة المغتصبة عام 1948، فاليهود لم يكونوا يتحدثون أو يعرفون العبرية قبل الالتحاق بالكيان المحتل. 

لا يمكن أن أشكك لحظة في أن الديكور خرج رائعاً وقوياً جداً وموحياً بشكل المعسكر، وأن الإضاءة جاءت معبرة ومجسدة للأحداث بشكل متميز، فيما عدا كشافي الضوء المثبتين على جانبي المسرح والذين كانا يُضاءان في وجوهنا فجأة، ما سبب لي صداعاً بشكل كبير. 

لا يمكن الإشارة إلى ممثل من مجموع الممثلين كي أقول أنه ينبيء بأي مستقبل في فن الأداء، فلقد كان التمثيل مفتعلا ويصل إلى حد الابتذال، حيث تأثر جميع الممثلين بأداءات سابقة لشكل الشخص الشرير أو الشخص المضطهد.. إلخ، فلم أشاهد ممثلاً واحد من المجموعة قد يكون له مستقبل في هذا المجال. 

في النهاية لا يمكن حتى وإن سلمنا بكل آليات حرية الفن والتعبير، أن نقدم عملاً فنياً يخدم قضايا عدونا، الذي مهما عقدنا معه آلاف معاهدات السلام، فهي لن تخرج عن نطاق وضع يدنا في يد العدو من أجل تسيير أمور لصالح الوطن، لكن هذا لا يعني أننا أصبحنا أصدقاء وأحباء، فالدولة التي تنتج فيلم "الممر"، لا يمكن أن تسلم بوجود مسرحية مثل "سوبيبور" تبيع لنا الشخصية الصهيونية في رداء الحمل! 

ملحوظة:

عزيزي المؤلف والمخرج: لماذا لم تثر تعاطفي مع قصص كثيرة لليهود المصريين الذين تم إرغامهم على ترك بلدهم مصر وحرمانهم من الجنسية المصرية والدفع بهم للتشرد في بلاد الله بعيداً عن ممتلكاتهم وأرضهم حتى اضطر كثير منهم إلى دخول إسرائيل وحمل هويتها، لقد استمعت إلى شهادة امرأة يهودية مصرية طاعنة في السن خرجت من مصر وهي في الثانية عشر من عمرها مرغمة مع عائلتها تقول في أحد الأفلام التسجيلية: لقد شعرت بالتشوش عام 1967 فلم أكن أدري هل اعتبره انتصاراً أم هزيمة؟ ولم أستطع أن أكتم فرحتي بانتصار مصر في 1973؟! 

ألم تكن قصة مثل هذه المرأة أولى بها أن تُسرد؟ 
-------------------
بقلم: أمنية طلعت

مقالات اخرى للكاتب

الأوبرا تختتم مهرجانها الصيفي فى الإسكندرية ودمنهور

أهم الأخبار

اعلان